مسرحية قصيرة
الشخصيات
سلمى : ممثلة
سليم : ممثل
ملحوظة : أي تشابه بين هذه المحاورة والواقع ، هو تشابه مقصود ونتحمل وحدنا مسؤوليته.
يجلس الممثل والممثلة كل في مكان على كرسيين، وسط ديكورات لمسرحيات سابقة، في قاعة تداريب عادية، الممثل والممثلة يدخنان... دون أن ينظرا لبعضهما. الممثلة في السادسة والعشرين من عمرها، ترتدي ملابس عصرية ، قميص يكشف عن بعض نهديها، سروال دجينز يبرز مؤخرتها. أما الممثل فهو في الثلاثين على أبعد تقدير، في ملابس عادية قميص وسروال ثوب أسود وحذاء اسود.
تقف الممثلة تتجه نحو النافذة في العمق في الوسط، حيث تلوح من خلف الزجاج بعض الدور كما هي دور الأحياء الشعبية. لا يبدو الممثل مهتما بتحركها، يستمر في التدخين، وهو ينظر أمامه في غير تركيز.
تلتفت الممثلة نحوه، لحظة ثم تتجه نحوه، تقف خلفه.
سلمى - أسننتظر كثيرا ؟.. طيب
تتجه نحو كرسيها، وقبل أن تجلس
سلمى - لا يمكن أن يظل الحال مائلا.. وننتظر سيادته كأن لا حياة لي أو لك بدون...
ينظر باتجاهها مقاطعا
سليم - لا داعي لهذا الكلام الآن
سلمى - أخيرا تكلمت
سليم - لا فائدة حتى من الكلام.. لكل وقت كلامه..
سلمى - شهر مضى وظل الوقت أخرس
سليم - أخرس وأصم.. المهم حين يأتي المخرج.. سنرى
سلمى - كيف له أن يأتي.. هو لا يعلم حتى أننا هنا كل يوم بانتظاره.. الهاتف مقفل ولا جواب عن الإيمايلات التي أرسلناها.. منذ العودة من تونس
سليم - أنا رأيته بعد ذلك برفقة المسرحي العربي الهولندي والجزائريين والتوانسة
سلمى - أنا التقيت المسرحي العربي الهولندي
سليم - التقيته؟
سلمى - طلب مني المخرج أن التقي به
سليم - والتقيته !
سلمى - نعم
سليم - بالطبع
سلمى - مثل العادة.. خروج ودخول و..
سليم - و... ؟
سلمى - وعفاك الله والله يعطيك العافية، و السلام تضحك
سليم - مثل المرة السالفة
سلمى - لا يهم
سليم - أعجب لك..
سلمى - شكرا .. تضحك .. كله تمثيل
سليم - تفو
سلمى - حذار أن تعود إلى لغتك القديمة
سليم - تعرفين الآن لم اخترت الصمت.. قد لا يبقى في الصدر حرف إلا وانفجر.. ينهض.. لقد تعبت من التمثيل داخل المسرح وخارجه.. والمخرج.. يملأ جيوبه من عرقنا من هنا ومن هناك.. نخاصم الجغرافيا من أجل أن يدخلنا التاريخ.. أصله دكتور.. والمخرج الدكتور مرفوع عنه العتب.. مرفوع حتى وإن لم يكن فاعلا .. تفو..
سلمى - تخرج سيجارة تشعلها .. تقترب منه.. تقف أمامه مباشرة.. . لا تنس أنك بفضله أرسيت أقدامك في البحر الهائج
سليم - ابتسامة ساخرة.. وبفضله تنفست الهواء.. واستوى النفس في خاطري.. يبتعد عنها.. ومثل هذه الديكورات تتبعثر أطرافنا.. فلا نجد ما يحركنا.. لأنه غاب.. رغم أن الموسم على الأبواب.. ليس من حقنا أن نبحث عن سفن جديدة بأبعاد جديدة..
سلمى - أنت اخترت أن ترهن نفسك لهذه التجربة.. أن تخلص له.. لا تنسى أنه التقطتك من حارات النكرة لجنات المعرفة
سليم - وعلي لهذا أن أكلس إحساسي وأن أكون عبدا لأنه علمني حرفا.. ما كان للعبيد أن يتحرروا لولا سخط عبد عما يعيش.. اسمعي يا سلمى.. لقد مللت من كل هذه الأدوار الرديئة التي تدور حول حب أجوف وخيانات لا تنتهي.. مللت أن أدور في حديث يشبه نفسه.. ومحاورات تشبه غيرها.. مللت أن أقفز من اليمين إلى اليسار إلى الأبعد تطرفا.. مللت أن أظل في النهاية حيث أنا، وأن يستمر هو فوق كل الحبال..لا أريد أن أكون مثله.. لا أريد أن أقتل من ربى وعلم.. لا أريد أن أكون مثله أطعن من الخلف.. لا أريد أن يأتي يوم أجعل من نفسي مركزا للعالم..لا أريد أن أكون قوادا أمتع الداخلين لأخرج.. وأن أنتصر في هزائمي..
سلمى - هون عليك صديقي، فأنت مثلي لا تملك أن تبتعد
سليم - بل يمكنني ذلك.. هناك دائما لحظة يتحرر فيها المرء من خوفه، وإلا ما كان هناك معنى للتاريخ
سلمى - هي الأقوال ذاتها
سليم - لا تغالطي دواخلك يا امرأة.. لقد نالك من إخراج مسرحياته ما نلت من إدخالك الرجال تحت عباءتك ليلا سرا في الفنادق.
سلمى - لا أسمح لك
سليم - لا تغالطي نفسك يا امرأة، فكما يلبسك أدوارا في مسرحياته يلبسك أدوارا في غير مسرحياته
سلمى - إنك فظيع
سليم - اعترفي على الأقل الآن أنك الجسد المنهك فوق الركح وفوق الأسرة، ليعيش المخرج.
سلمى - وقد اغرورقت عيناها بالدموع .. اللقمة مرة مرارة العلقم يا سليم.. الجوع لا يرحم
سليم – ولقد أبيت على الطوى
سلمى – لا تقل ذلك، فأنت لست أحسن حالا.. كلها عهارة وإن اختلفت الأشكال يا صديقي
سليم - معك حق
سلمى - والحل
سليم - بالنسبة لي لن أمنح ذاتي لمزيد من المهانة .. أما أنت فإنك حرة
سلمى - تتخلى عني في منتصف الطريق
سليم - بل في آخره..أمامك الآن أن تختاري.. ليست الأرض فقط بساطا للسياحة.. ليست هي فقط خشبات نمتطيها للسياحة، ولعقد الصفقات باسم الدكترة.. ليست أزقة للإيهام . في النهاية لا أحد يعرفنا، يعرفنا إلا به، نحن ملحقات سيادته.. لا نملك وجودنا الخاص.. لا نملك حيزا نرتاح فيه.. لم أملك كل هذه السنوات أن أعري قلبي.. وأن أنظر في عينيك، فأنت محجوزة دائما.. كما البلاد التي جلناها.. لم يكن يهمنا فيها إلا ما يشبع البطن والفرج.. لم نر الفقر والغضب الذي يملأ الأزقة البعيدة. لم نر ما يجري في الأقبية السرية.. نذهب دائما لنحكي عن رجل يغرق في الخمر يخون امرأة أو تخونه.. عن أناس لا يخاصمون شيئا إلا ما كان هامشا... بالطبع هناك من ينبري أو المخرج نفسه ليفسر على هواه كل الهوى.. تصير المرأة الوطن.. ويصير الرجل هو كل الشعب( يضحك).. أرأيت كم نحن سخفاء.. تكفينا صورة في جورنال.. مجرد حروف في التذييل.. والمجد كل المجد لسيادته..
سلمى – أتحبني إلى هذا الحد؟
سليم – أحب نفسي.. فقط تعلمت بعد كل السنوات أن أحب نفسي
سلمى – وتحبني
سليم – إذا ما كنت نفسي
سلمى – وكتمت كل ذلك سنوات طويلة
سليم – محجوزة.. كنت دائما محجوزة..
سلمى – لهذا لم تكن تنظر أبدا في عيني ونحن نمثل
سليم – هل كنا نملك عينين ونحن نمثل؟
يرتدي معطفه
سلمى – إلى أين
سليم – كفى انتظارا يا سلمى
سلمى – انتظرني.. سأرحل معك..
سليم – لن أنفعك بشيء.. لا أريدك أن تتورطي معي في الفراغ يا سلمى
سلمى – لأجرب.. لأجرب يا سليم
ترتدي معطفا طويلا أسود، تأخذ حقيبة يدها.. تتجه نحوه.. يرن جرس الهاتف.. ينظران معا نحو الهاتف .. يغادران.. في حين يستمر الهاتف في الرنين.
إظلام
يونيو 2008

0 تعليقات:
إرسال تعليق