لإستمرار التواصل انضم الى المجموعة البريدية

Google Groups
Subscribe to al-masrah
Email:
Visit this group

١٨ يونيو، ٢٠٠٨

الترجمة وفجوة العلاقة بين الأنا والآخر



شريف عبد الله -
اشتمل العدد الجديد من مجلة "الآداب العالمية"، التى تصدر فصليًّا عن اتحاد الكتاب العرب فى دمشق برئاسة تحرير غسان كامل ونوس، على العديد من المقالات والدراسات النقدية والأدبية، حيث كتب رئيس التحرير بعنوان "تلك الفجوة"، مشيرًا إلى أنه فى الحديث المباشر بين أى شخصين مختلفين لغةً توجد فجوةٌ زمنية حتمية للترجمة، يتأخر الحوار بسببها، وتتأخر ردود الأفعال أيضاً. ويبدو الأمر مثيراً حين يكون فى القول طرفة؛ إذ يبدو الضحك بعد فوات الأوان! ويختلف الأمر أهمية وإثارة حين تكون المسألة المتداولة جدّية، وتتضاعف المسؤولية حين يكون المتحاوران من ثقافتين مختلفتين، وهى الحال الأكثر فعالية؛ حيث الفائدة المرجوة أكبر.ويتساءل غسان كامل ونوس : إذا كان هذا ما يحدث فى الحوار المباشر، فكيف هى الحال حين يكون الحوار غير مباشر؟! وكم ستطول فترة انتظار الفعل؛ ناهيك عن وصول رد الفعل المناسب! ويقول: "يدور كلام كثير حول علاقتنا بما ينتجه الآخرون فى شتى بقاع الأرض من ثقافات، ومدى تعرّفه وتفهّمه واستيعابه والحديث فيه والتأثّر به، واستطراداً: تطبيق بعض مفاهيمه أو مناهجه أو جميعها، إذا ما كان الأمر ظاهرة أدبية أو نظرية نقدية مثلاً. ويقال الكثير فى وصول النظرية بمختلف عناصرها وتجلياتها، وأخذنا بها وتمثّلنا إياها، بعد أن تكون قد أصبحت من الماضى فى الوسط الذى أنتجها أو سادت فيه؛ بصرف النظر عن الحوار أو الجدل حول مدى صلاحيتها للتطبيق فى أدبنا العربى قديمه وحدثه.إن بقاء الموضوع فى ساح الاحتمالات يمكن أن يجعل الزمن الفاصل بين حصول مهتمٍّ على المادة واقتناعه بجدواها وترجمتها ونشرها، ووصولها إلى متلقٍّ مهتمٍّ أيضاً يمتد عقوداً..! فى الوقت الذى قد لا تستمر فى منبتها المدة هذه. وإذا أضفنا إلى ذلك التساؤل حول جودة الترجمة، ومدى فهم المترجم للنظرية، وقدرته على تقديمها صالحة باللغة العربية، وتعذّر التحقّق من ذلك لندرة الاحتمالات الأخرى، تصبح الحال أكثر متاهة وضياعاً. ولا يتوقف الأمر على ذلك؛ بل يتناول القضايا التى لم تصل إلينا، والأسماء التى لم نتعرف إلى أصحابها، فى الوقت الذى تتكرر فيه أسماء وأفكار ونظريات وموضوعات..صحيح أن الأمر تغيّر فى الوقت الحاضر، بعد تزايد وسائل الاتصال وتنوّعها، وتسارع التواصل، لكن القلق يظل قائماً، وربما يأخذ اتجاهات جديدة تتعلق بالجدّية والموضوعية والمتابعة من قبل المهتمين أو المتخصصين. ومن المفترض أن تجعل الظروف الجديدة الفجوة بين حصول الظاهرة ووصولها إلى المتلقى العربى تضيق أكثر فأكثر؛ فهل الأمر يبدو كذلك؟!الكلام يطول ويتكرر حول الترجمة وعشوائيتها، وعدم وجود مؤسسات متخصصة وبرامج عمل متكاملة، والجهود الفردية والاهتمامات الشخصية والمناسبات التى تكاد تلخص أحوال الترجمة إلى العربية على حد اطلاعنا. إضافة إلى أن هواية الاهتمام بالأعلام، وبما هو مشهور أو معروف، أو ثبتت أهميته، ما تزال مغرية وسائدة ومرغوبة، حتى فى أدبنا العربي؛ حيث يُتغافَلُ عن أسماء وأعمال وإمكانيات حقيقية، ويُتجه إلى ما بات كثير التداول ومألوفاً. وليت الملتفت إلى ذلك يقدم جديداً أو مفيداً، بعيداً عن النقل والتكرار!".إعادة اكتشاف بريشتجاء ملف مجلة "الآداب العالمية" حول "برتولت بريشت"، بمناسبة حلول الذكرى العاشرة بعد المائة لمولده، وكتب الدكتور نبيل حفار عن حياته وأعماله، وعن تطور المسرح الملحمى بعده، وتأثيره فى الكتابة المسرحية العربية.يشير الدكتور نبيل حفار إلى أن تأثير مسرح بريشت كان واضحاً فى معظم أنحاء العالم، الأمر الذى ينعكس فى المؤتمر السنوى الذى يعقد فى برلين، والذى يشارك فيه باحثون وفنانون مسرحيون من مختلف أنحاء العالم. وقد تجلى هذا التأثير على صعيد تحرير العرض المسرحى من القوالب السائدة، وكذلك على صعيد العمل الدراماتورجى فى تحضير النصوص وإعدادها وأسلوب العمل داخل الفرقة ومع الممثل، وعلى مستوى استخدام الموسيقى. ولا شك أن مسرح برتولت بريشت "1898 – 1956" الذى وصل إلينا فى البلدان العربية منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضى عن طريق ترجمة بعض مسرحياته وكتاباته النظرية، كما يوضح الدكتور نبيل حفار ، قد ترك أثراً واضحاً على حركة المسرح العربي، بخاصة بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967 التى سببت صدمة هائلة للشعب العربى عامة ولمثقفيه خاصة؛ عندما تهاوت دعاوى الإعلام العربي، وتجلت حقائق طبيعة المواجهة مع العدو الصهيونى واضحة، فاستيقظ وعى المثقف على واقع مزرٍ كان مستّراً بأكاذيب الإعلام ومبالغاته الفارغة من أى محتوى مستند إلى الوقائع، عند هذا المنعطف فى حياة الإنسان العربي، وحول الوسائل وأشكال التعبير التى تنقله إلى حيز التأثير المباشر على الصعيد السياسى والاجتماعى والفكري، وحول كيفية تشكيله أو تأسيسه لوعى جديد بالواقع الجديد.ولما كان المسرح من دون الأجناس الأدبية الأخرى يتميز بخاصية العلاقة المباشرة بين المرسل والمتلقي، بين الممثل على الخشبة والجمهور فى الصالة خلال العرض المسرحي، بحيث تحقق رسالة العرض المسرحى عبر صياغتها ومعالجتها الإخراجية والأدائية هدفها آنياً فى الجمهور، وليس كحال القصيدة والقصة والرواية والمقالة المقروءة فردياً، فقد اتجه العديد من الأدباء العرب للكتابة للمسرح الذى كان موجوداً على المستوى الفنى فى بعض العواصم العربية، دون أن يحقق أثراً اجتماعياً أو سياسياً ملموساً. ومن بين هؤلاء الأدباء فى سورية على صعيد الذكر لا الحصر محمد الماغوط وممدوح عدوان وفرحان بلبل؛ الذين رفدوا الكتّاب المسرحيين المتواجدين على الساحة أصلاً بتراكمات إبداعية جديدة. ومن حقق منهم نضج الوعى السياسى الاجتماعى والأدوات الفنية استمر، ومن قصّر توقف.ويستطرد الدكتور نبيل حفار فى دراسته: "لم يتوفر فى تجارب المسرح العربى الفتى آنذاك ما يسعف المسرحيين فى تناول ومعالجة القضايا الراهنة الملحة مضموناً وشكلاً، فالتفتوا إلى مسارح العالم بحثاً عن النموذج الذى يمكن التعلم من تجربته والاقتداء به أو اقتباسه أو تعريبه، فوقعوا على بريشت الذى كان تأثير مسرحه كبيراً فى أوروبا منذ الخمسينيات. وتعود أسباب اللقاء مع مسرح بريشت إلى أمور عدة، منها أنه مسرح سياسى اجتماعى بامتياز، مع الشكل الفنى الجديد اللافت للنظر، والاهتمام الأوروبى الكبير بمسرحه من قبل أسماء فنية لامعة مثل برنار دورت وجان فيلار فى فرنسا وجورجيو ستريلر فى إيطاليا، إلى جانب الناقد الإنجليزى الشهير مارتن إسلين الذى ألّف كتاباً حول مسرحه. كما أن توفر ترجمات أعمال بريشت المسرحية والنظرية إلى الفرنسية والإنجليزية والإيطالية ثم إلى الروسية قد لعب دوراً كبيراً فى ذلك، خاصة وأن اللغتين الأجنبيتين المنتشرتين فى الوطن العربى كانتا الفرنسية والإنجليزية، أما تأثير اللغة الروسية ومسرحها فقد أتى لاحقاً بعد عودة بعض دارسى الأدب والمسرح فى الاتحاد السوفييتى إلى أوطانهم".ويوضح الباحث أن مسرح بريشت يستند، إلى نظرية متكاملة فى التأليف والتمثيل والإخراج والديكور والأزياء والإضاءة، أى فى عناصر العرض المسرحى كافة. وهذا الجانب الفنى يستند بدوره إلى موقف فكرى متكامل من العالم ينبع من الماركسية. ومن هنا يصعب التأثر بمسرح بريشت بصورة إبداعية، إن لم يتم التعرف على نظريته فى تكاملها فكرياً وفنياً مع توفر الوعى بكيفية الاستفادة منه محلياً فى ظروف واقع مغاير، ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وتجاه جمهور يحمل ذائقة جمالية مختلفة. واللافت للنظر هو أن بريشت منذ بداياته لم يكن يؤمن بالعبقرية الفردية فى المسرح، وإنما بأسلوب العمل الجماعى مع معاوناته ومعاونيه فى الكتابة ومع الملحنين الموسيقيين ومصممى الديكور والأزياء. وكثيراً ما كان يعدّل فى نصوصه خلال التمرينات بناء على آراء الممثلين. ومعظم مسرحياته تحمل أسماء معاوناته إلى جانب اسمه مثل إليزابيت هاوبتمان وروث برلاو ومارغريت شتفين. وواجبات فريق العمل لديه تمتد من البحث السياسى الاقتصادى الاجتماعى إلى الترجمة والمشاركة فى الصياغة التأليفية فكرياً ولغوياً. وهذا ليس سراً كما يزعم البعض، حاول بريشت أن يخفيه، بل هو معلن فى طبعات مسرحياته ومذكرات من عملوا معه وعايشوه.

0 تعليقات: