بعد عرض «المفتش الكبير» للمخرج الإنكليزي «بيتر بروك» استضافت احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية عرضاً آخر له بعنوان «لماذا؟ لماذا؟» قدم على مدى أربعة أيام في المعهد العالي للفنون المسرحية- المسرح الدائري، والذي يطرح نفسه وبشكل مباشر بدءاً من العنوان كمتوالية من الأسئلة الجدلية ظلت ملتصقة بـ«بيتر بروك» على مدار حياته الفنية التي ولدت عام 1946 ومازالت رحلته في البحث عن آفاق أخرى للإبداع مستمرة لتقديم كل ما يراه جديداً في المسرح والسينما، إلا أن ما قدمه للمسرح ساهم في تصنيفه كأحد أهم المجددين عندما رفض النظرية و«المفهوم» الذي يحكم الفن بشكل عام وتحكم المسرح بشكل خاص وتم اعتبار كتابه «empty space» أو «الفضاء الفارغ» من أهم المرجعيات للمسرح الحديث والذي اشتغل فيه على جدلية العلاقة بين ثلاثة عناصر مؤسسة للمسرح هي على درجة متساوية من الأهمية في تشكيل الفضاء المسرحي: «المتفرج، الممثل والمخرج» عندما اعتبر أن البحث في هذا الفضاء عملية لا منتهية وخاضعة لكل أنواع التجريب بعيدا عن هيمنة النظرية و«الكليشيهات الجاهزة» لكي يعيد اكتشاف الأشياء من جديد، لأن العرض المسرحي ليس هدفا بحد ذاته ولكن يجب أن يترك هذا العرض أثراً في نفس أي مشاهد، ولم يتوان عن وصف المخرج الذي يأتي إلى «التمارين المسرحية مع مخططات جاهزة» بأنه مخرج ميت وخال من الحياة، «أعتقد ليس هناك شيء أكثر رداءة بالنسبة للمخرج، أو الممثل، أو المصمم، أو الموسيقي من أن يبدأ عمله بما يسمى مفهوماً»! وهذا ما جعل من أعمال «بروك» أعمالا اختبارية في كل مرة لكن من منطلق إشكالية العلاقة مع الجمهور الذي كان أساسا لعمله عندما جعل من مسألة التلقي عنصرا هاما من عناصر أي عمل مسرحي، لذلك لم يحمل مسرح «بروك» صفة «النخبوي» كما مسرح «كروتوفسكي» على سبيل المثال.«فاروم؟ فاروم؟» نص كتبه «بروك» على طريقة التجميع من نصوص كتاب مسرحيين يربط بينها خيط يمكن لمسه من خلال ثيمة العرض الداخلية التي كان القصد منها إقامة الجدل وطرح الأسئلة بين ما قدمه أولئك المجددون للمسرح واصطدامهم مع النظريات المسرحية الكلاسيكية والسائدة: «انطوان آرتو، ادوار غوردون كريغ، شارل دولان فزيفولد مايرخولد»، دون اغفال «شكسبير» الذي اشتغل عليه «بروك» وأعاد قراءته في الكثير من أعماله ليعطي إمكانية رحبة في قراءة النص المسرحي الذي سيكون جديدا في كل مرة. لتتوالى أسئلة العرض البحثية والتي طرحها واشتغل عليها كل من قدمهم «بروك» في عمله: كيف تفسر أحلام شكسبير؟ وكيف تجعل ما هو غير مرئي مرئياً؟ وهل فكرة الشبح شبحية إلى هذا الحد؟ مثلما كان استحضار معلم مسرح النو «زيامي موتوكيو» الذي يشتغل على بعد آخر من الجسد والروح في المسرح ويعتبره بروك مهما. فهؤلاء لم يكونوا مجرد مجددين أو منتفضين على السائد ولكن في حقيقة الأمر هذا التطور والتجديد يحمل بين ثناياه انتفاضات فكرية ومعرفية لها علاقة بالاحتجاج على الوضع السياسي والفكري القائم وكان جليا من خلال استحضار المسرحي «مايرخولد»، الذي اختفى بظروف غامضة عام 1940 وهذا سيعيدنا إلى تاريخه الجريء وعلاقته الندية والثورية مع «ستانسلافيسكي» في المسرح والتي عرضها «بروك» من خلال تجربة أداء لاستحضار احساس «الخوف»، لخص فيه الفرق بين الإثنين عندما كان «ستانسلافيسكي» يعتمد على استحضاره من الداخل إلى الخارج، على عكس «مايرخولد» الذي اهتم بتثوير الخارج لاستنباط ردات الفعل الشعورية الداخلية. وما أثار حفيظة السلطة الثقافية في موسكو آنذاك هو رميه للحجر في المياه الراكدة للبنية الأدبية التي كانت سائدة والتي كانت تلك السلطة تعتمد عليها في المسرح لنشر خطابها السياسي، حيث لم يكن النص في مسرح «مايرخولد» هو السيد بعد ابتكاره للبايوميكانيك أو بلاستيك الحركة للممثل، وتغليبه الموسيقا والسينوغرافية على بقية العناصر وإفساح المجال لمزيد من الارتجالات المنضبطة، والتي رأى بأنها شرط الارتقاء بحرفة الممثل فوق الخشبة!! وهذا لم يأت إلا نتيجة لوصول مسرح «ستانسلافيسكي» إلى ما يسميها «بروك» لحظة «الموات» في مسرح مميت: «إن المميت موجود كعنصر في كل مكان، في الوضع الثقافي، في العمل الاقتصادي، في حياة الممثل، في الإخراج، في النص، في النقد، الخ … مثلما يوجد داخل المسرح المميت خفقات حياتية مقنعة إلى حد بعيد. لأن المسرح المميت لا يعني المسرح الميت فعلا، وإنما هو مسرح فعال بشكل يبعث على الانقباض والغثيان، لهذا السبب بالذات، فإنه قابل للتغير ومواجهة الحقيقة البسيطة التي يدعوها العالم بأسره «المسرح» في كل زمان ومكان». وهي التي حرضت «مايرخولد» ليبتكر «مسرح- الأستوديو» ليكون مختبراً تجريبياً في المسرح ويكون مؤثرا فيه وببنيته الفنية- الفكرية لدرجة زعزعة الوضع السياسي. من هنا تأتي أهمية النص المسرحي الذي قدمه لنا بروك والذي أتى فنيا مطعما بالقليل من السخرية قامت بأدائه الممثلة التي عملت كثيرا مع «بيتر بروك» ميريام غولد شميت بمرافقة الموسيقي «فرنشيسكو آنجيلو» على الآلة السويسرية آلة الهانغ، والذي أتى أبعد من ضرورة فنية وجمالية في العرض عندما كان يراقب تنفس «سميث» المتعب فيرتجل تطويلاً أو تقصيراً في زمن الموسيقا، حيث لم يكن مستترا كبر السن على الممثلة القديرة مثلما كان الوضوح في بطء حركتها وكلامها وأدائها، ما جعلنا نتساءل عن الممثل في مسرح «بيتر بروك»، والذي نظّر له كثيرا في أبحاثه، لنجده على عكس ما توقعنا في «فاروم؟ فاروم؟»، العرض الذي يحتاج إلى كل مقومات الجسد الفيزيائية، والتي كانت عائقا في التلقي وعائقا في قراءة «بروك»؟!
فاديا أبو زيد - جريدة الوطن
2008-10-07

0 تعليقات:
إرسال تعليق