لإستمرار التواصل انضم الى المجموعة البريدية

Google Groups
Subscribe to al-masrah
Email:
Visit this group

٢٠ أكتوبر، ٢٠٠٩

بهلوان سعيد الناجي الأخير يسأل:أيُ مسرح لعالم اليوم؟


أحمد شرجي
ahmadsharji@hotmail.com

حمل الإصدار الجديد للناقد الدكتور سعيد الناجي، الكثير من الأسئلة المفتوحة، التي تتيح للقارئ مساحة كبيرة للحفريات المعرفية الواعية على ماهية الظاهرة المسرحية، حفرياته النقدية تسعى لازاحة الترهل والمكرر والعادي من المشهد النقدي المغربي والعربي، حيث امتازت تجربته في مؤلفاته الأولى بالقراءة النقدية الواعية للظاهرة المسرحية، نلمس هذا، في " التجريب في المسرح 1998، والمسرح المغربي و خرائط التجريب 2002 "، من خلال النظريات المسرحية وتداعياتها على المشهد المسرحي بشكل عام، الأسئلة المفتوحة نتاج تلك القراءات النقدية، التي تحيل التطور الهائل في المسرح العالمي الى اكتشاف الضوء في القرن الثامن عشر، الذي مهد لاشتغالات مهمة على مستوى الضوء والسنوغرافيا والديكور، مما ساهم ايضا بحضور الجانب السايكلوجي للممثل على الخشبة، كذلك ظهور المدارس التشكيلية الحديثة منذ نهاية القرن التاسع عشر، كل ذلك ساهم بتطور العرض المسرحي ، وتنوعت اتجاهاته.

لكن الناجي في مؤلفاته اللاحقة، انتقل بمشروعه النقدي من القراءة النقدية للظاهرة المسرحية الى تفكيكها ومناكفتها بوعي متقد ، بعقلية الناقد الأكاديمي المتمكن من أدواته الاشتغالية، عقل اركيولوجي بامتياز، كثير المشاكسة والإزعاج للقارئ، نتيجة الثقافة الموسوعية التي يحملها النص.

هذه المرحلة تجسدت بإصداره المهم " قلق المسرح العربي2004" الذي طرح فيه قضية بالغة الأهمية، مفادها بان المسرحيين العرب لم يضيفوا جديدا على تجربة مارون النقاش، التي انطلقت من بيته عام 1848، كل ما يفعلوه الان ،عمله النقاش في القرن الثامن عشر، الجديد هو الاستفادة الكبيرة من التطور التكنولوجي الهائل بوسائل الاتصال السمعية والمرئية، وكل ما يطرح من طروحات لشكل تأصيل المسرح العربي هو مجرد قلق متواصل، قوض العملية الإبداعية، لانه يرى "الناجي" بان العرب يمارسون المسرح حالهم، حال دول العالم المختلفة، وبالتالي لايترسخ في الذهن غير ألذات والهوية المبدعة، هكذا وصلت الينا نظريات ستانسلافسكي ، ومايرهولد، وبريشت، وكروتفسكي، وغيرها .

ويظل مشروعه النقدي محملا بالأسئلة، التي تقود القارئ الى أسئلة اكثر شمولية واتساعا، تثير الفضول في البحث والتنقيب المستمر، عن مصادر ومصائر تلك الأسئلة المركبة التي ينثرها الناجي ، تجسد ذلك ايضا في إصداره الأخر" مسرح المغاربة 2005".

إصداره الجديد الموسوم" البهلوان الاخير.... أي مسرح لعالم اليوم"، يدعم راينا، في المشروع النقدي للناجي، وما يحمله من اشكالية الاسئلة التي ينفتح عليها الكاتب،انطلاقا من الشطر الاول من العنوان"البهلوان الاخير"، الذي يرتبط ارتباطا مهما بالشطر الثاني، الذي جاء على شكل سؤال "أي مسرح لعالم اليوم" وفي هذا الاصدار سار على نفس المسار النقدي، بعدم المحاباة والمجاملة بتفكيك الظاهرة المسرحية بشكل عام، والظاهرة المسرحية المغربية بشكل خاص.

ضم الكتاب الكثير من المحاور(الاسئلة)،التي تضيء مناطق معتمة في ماهية المسرح، بعدم تقديس النصوص والنظريات، حيث بداها في المحور الاول "المسرح في المجتمعات الاستهلاكية الحديثة" والذي طرح "هل ماتزال الحياة المشتركة بين الناس بنفس المواصفات التي كانت قبل انتقال المجتمعات الاستهلاكية المدعومة من قبل شبكات التواصل والتوزيع الرهيب؟ " و " هل مازال المسرح عالميا كان ام عربيا في حاجة الى نظريات متكاملة؟" وفي هذا السؤال المهم يفتتح الكاتب محوره الثاني" هل هي نهاية النظريات المسرحية"، حيث يعلن عن انتهاء زمن بريشت ونظرية المسرح الملحمي، وانتونان ارتو ومسرح القسوةـ، وكذلك كروتوفسكي ومسرحه الفقير، فلقد كان اصحاب تلك النظريات بداوا من خلال الممارسة المسرحية،الخشبة كانت المحك الحقيقي لبلورة تلك النظريات، وبالتالي تنوعت مصائرهم، و"لكن ما يبهر في تاريخ هذه النظريات، وفي تجربة المسرح الغربي الحديث ان اول من كان يحس بزمن انتهاء النظريات الكبرى هم المسرحيون انفسهم، وتحديدا أصحاب تلك النظريات التي بذلوا جهدا كبيرا في بلورتها غير جهد البيانات الثرثارة"، وهكذا انتهى بريشت للحديث عن مسرح جدلي بدلا من المسرح الملحمي، والتصق بكتابة الشعر، بعد انتباهته الذكية للاثر الذي تركته مسرحية"الام شجاعة" بعد عرضها الباريسي، بتعاطف واندماج الجمهور معها وصل حد البكاء، رغم ان نظريته تذهب الى عكس ذلك تماما،لانه اقام مسرحه على التغريب والمسافة بين الممثلين والجمهور ، ولم يختلف الحال عند كروتوفسكي حيث فضل العزلة و الاهتمام بالتنظير والقاء المحاظرات .

المسرح العربي عرف ايضا النظريات، لكنها ظلت معلبة داخل البيانات والديباجات الانشائية، نظريات ورقية، لم تنطلق كما في الغرب من الممارسة، بل التصقت بالكتابة فقط، لذك اتسعت الهوة بينها ،وبين العرض المسرحي الذي تطرحه، رغم ان الناجي يستثني نظريات فرافير، يوسف ادريس، وتسييس، سعدالله ونوس، لكننا نجد بان كلاهما طرح نظريته بالية اشتغال نظريات غربية، الاول كان مصدر تجربته "كوميديا ديلارتي"، والثاني برتولد بريشت ،"المسرح الملحمي".

ولكن هل نحتاج الى نظرية مسرحية عربية؟ اليس ما نمارسه مسرحا حقيقيا كما هو المسرح في الغرب والعالم؟ هذا هو السؤال المهم.

وفي محور"أي مسرح لعالم اليوم؟"، يخبرنا الناجي بان الفرجة " لم تعد حكرا ما نسميه" فنون الفرجة" ولكنها أصبحت في متناول الشاشات ووسائل الاعلام تستغلها لتحويل الخيال الى واقع معاين، ولكنه بعيد عن ان يكون حقيقيا"، الكثير من العروض المسرحية تعتمد على الوثيقة والصورة السينمائية ودلالاتها داخل العرض، التطورالتكنولوجي، ساهم كثيرا بتعدد مصادر الفرجة، فلم "يعد المسرح هو الوحيد الذي يعتمد تماس الواقع بالخيال، والحقيقي بالمفترض، لقد برزت صناعة تلفزية خاصة بهذه المهارة المسرحية".

وهنا نتساءل مع الكاتب " الا يخاف من ان يجد المسرح نفسه آلة بطيئة للارسال امام سيبرنطيقية رهيبة وسريعة بعبارة رولان بارت؟ وهنا يصبح السؤال:أي إيقاع لمسرح في عالم اليوم؟".

يكاد لايخلو إصدار للنقاد المغاربة، دون الحديث عن المسرح المغربي وإشكالياته، وايضا عن سؤال الاحتراف فيه، فلقد حفل محور"المسرح المغربي اليوم:قلق الاحتراف" ، بالاحتفاء بتجربة مسرح الهواة الثرية والمهمة في المسرح المغربي 1940-1971، من خلال عنوانين فرعيين هما:

- مسرح الهواة وكبوة الاحتفالية.

- سؤال المسرح المحترف.

واعاد الكاتب دراسته المهمة التي ضمها اصداره السابق "قلق المسرح العربي" في هذا الكتاب، من اجل اطلاع قارئ اخر عليها، والتي احتوت على عنوانات فرعية "قلق الهوية والانتماء، قلق اللغة، قلق التجريب، بنك القلق، وحملت كلها اسئلة كثيرة، وما تشكله من مصادر للقلق في المسرح العربي، منذ طروحات توفيق الحكيم في قالبنا المسرحي، حتى شكلت عندنا بنكا للقلق.

يرصد لنا الكاتب في محور" الممثل المسرحي،الجسد ورياح التحول" التحولات المهمة للممثل المسرحي وماهية التمثيل، منذ ان فكر المخرج البولوني تادوش كانتور، بمن هو اول انسان نهض من بين جماعته وبدا يمثل؟ وانتونان ارتو وبحثه عن الاداء النقي للممثل بعيدا عن قيود الحضارة الغربية وما اثقلت به كاهل التمثيل، وكروتوفسكي الذي وجد بالممثل العنصر الاكثر أهمية والذي لايمكن ان يكون هناك عرضا مسرحيا بدونه، وعند بريشت نجده واعيا يحافظ على خط رفيع بين الاندماج والتغريب.

بينما في محور"المسرح والجامعة، رهانات الائتلاف والاختلاف" وكذلك " الجامعة والمسرح في المغرب: رهانات التكوين" يشير الكاتب الى دور الجامعة (المسرح الجامعي) بالنهوض بالواقع المسرحي، من خلال المهرجانات والمحترفات التكوينية التي تنظمها، حيث ان دورها يختلف جذريا عن دور المؤسسات الجامعية المسرحية، ورغم كثافة المحترفات والعروض والمهرجانات الجامعية "لم يكتب لاية ينية اكاديمية او جامعية ان تأسس لاستقطاب هذه الدينامية والابداعية والنقدية"، وبالتالي تظل مناسبات للقاءات والاحتفال بدون فعل مسرحي حقيقي، لانها لا تؤسس لتقاليد مسرحية حقيقية.

خصص المحور قبل الاخير لمقاربة بين طروحات بريشت وارسطو " بريشت الارسطي"، وهي محاولة في فك الالتباس بين طروحات الاثنين، نقاط الائتلاف والاختلاف، ويسال الناجي" كيف يستقيم الخلاف بين بريشت وارسطو والاتفاق بينهما يشمل عمق الظاهرة المسرحية؟" يجد ان التغريب هو وفاء ضمني للتطهير الارسطي، وهذا الوفاء يتجسد في مفهوم كل منهم، حيث كان عند ارسطو تطهير المتفرج من الخوف والشفقة و الاحسساسات الزائدة، وعند بريشت من خلال الاندماج المبالغ فيه بالمألوف في الشخصية والدور والممثل، وهنا يطرح علينا الكاتب سؤالا اشكاليا مهما، باختزاله الزمني بين الاثنين/أليس التغريب صيغة للتوفيق بين الطرفين اللذين احتار بينهما بريشت: التطهير عبر الشفقة والخوف او التطهير من الشفقة والخوف؟

لكننا نجد الاجابة ضمنيا باعتبار " ان المسرح المحلمي لم يكن إلا مشروعا لربط الجمالية الارسطية بالجدل الماركسي وبالقواعد الجمالية للفن الشرقي".

لايخفي الكاتب ولعه وعشقه بمسرح برتولد بريشت، من خلال دراسته لبعض جمالياته،التي عنونها في المحور الاخير" اناقة المسرح"، باعتباره المسرح الذي مازال للان يحضى بقراءات جديدة،حجبها موقف بريشت السياسي الشيوعي، والذي اراد لمسرحه ان يكون جماليا اولا، ولقد كان توجه السياسي الشيوعي سببا مهما بتعرف المسرحيين العرب على مسرحه، بعد تنامي المد اليساري في المنطقة العربية في الستينيات من القرن الماضي، وجدوا في طروحاته ما يتفق مع طروحاتهم السياسية.

يجد الناجي ان مفهمي الاناقة والخفة، قد نظما بخفاء جمالية المسرح الملحمي بعيدا عن الايديولوجيا وحرارة الصوت السياسي، قريبا من الجماليات الشرقية،كذلك فأن الاناقة والخفة استمدت مشروعيتهما في المسرح الملحمي من مبداين تحكما فيه، وهما مبدا التركيب ومبدا الحركة.

إضافة للاناقة والخفة، هناك خفة اللغة التي يجب " ان تكون "اكثر عفوية، خفيفة ورشيقة لان سحرها يذهب كله حين تعطي الانطباع بانها متكلفة او اعتباطية" ، وهناك ايضا جمالية السينوغرافيا والحضور الجسدي للممثل.

ضم الكتاب ملحقين لحوارين اجريا مع الكاتب، الاول تحت عنوان" انثروبولوجيا المسرح العربي"، والثاني " أسئلة النقد المسرحي في العالم العربي"، وفيهما يدعم الناجي رؤيته النقدية الاركيولوجية الحديثة، التي تعتمد على التفكيك والتركيب، تفكيك متراكمات النظريات المسرحية، واعادة قراءتها بحذاقة الناقد، وعقلية الان، وما تتركه تداعيات الحاضر بكافة مجالاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية على الواقع المسرحي.

واخيرا نقول بان دور النشر والتوزيع المغربية وبضمنها وزارة الثقافة، تساهم كثيرا في تهميش الصوت النقدي المغربي الجديد، من خلال عدم اهتمامها باخراج الاصدارات خارج المغرب وتعريف الاخر بالجهد البحثي الاكاديمي للنقاد المغاربة، بل نجد بان الاصدار يظل حبيس المدينة التي ينشر بها،ولا يصل الى بقية المدن، وهذه جريمة ثقافية كبرى ، تحاول تهميش جيل نقدي مهم، جيل يجب ان يأخذ مكانه الطبيعي في المهرجانات المسرحية العربية، بعد ان سئمنا من تكرار الاسماء والوجوه.

* كل ماهو بين مزدوجتين ينتمي لإصدار المؤلف(البهلوان الأخير... أي مسرح لعالم اليوم)

الكتاب: البهلوان الاخير.....

ايُ مسرح لعالم اليوم؟

المؤلف : د. سعيد الناجي

الطبعة: الاولى 2009

تصميم الغلاف: سناء شدال

الحجم: متوسط

عدد الصفحات:132

منشورات مرايا – طنجة - المغرب

0 تعليقات: